الشيخ الطوسي
325
الغيبة
إليهم رسلا ( 1 ) من أجناسهم وأصنافهم بشرا مثلهم ، ولو بعث إليه رسلا من غير صفتهم وصورهم لنفروا عنهم ، ولم يقبلوا منهم ، فلما جاؤوهم وكانوا من جنسهم يأكلون ويمشون في الأسواق قالوا لهم : أنتم مثلنا لا نقبل منكم حتى تأتوا بشئ نعجز عن أن نأتي بمثله فنعلم أنكم مخصوصون دوننا بما لا نقدر عليه ، فجعل الله عز وجل لهم المعجزات التي يعجز الخلق عنها . فمنهم : من جاء بالطوفان بعد الاعذار والانذار ، ففرق ( 2 ) جميع من طغى وتمرد ، ومنهم : من ألقي في النار فكانت عليه بردا وسلاما ، ومنهم : من أخرج من الحجر الصلد الناقة ( 3 ) وأجرى من ضرعها لبنا ، ومنهم : ( من ) ( 4 ) فلق له البحر ، وفجر له ( من الحجر ) ( 5 ) العيون ، وجعل له العصا اليابسة ثعبانا تلقف ما يأفكون ، ومنهم : من أبرأ الأكمه [ والأبرص ] ( 6 ) وأحيى الموتى بإذن الله ، وأنبأهم بما يأكلون وما يدخرون في بيوتهم ، ومنهم : من انشق له القمر وكلمته البهائم مثل البعير والذئب وغير ذلك . فلما أتوا بمثل ذلك ، وعجز الخلق من أممهم ( 7 ) أن يأتوا بمثله كان من تقدير الله جل جلاله ولطفه بعباده وحكمته أن جعل أنبياءه مع هذه المعجزات في حال غالبين ، وأخرى مغلوبين ، وفي حال قاهرين ( 8 ) ، وأخرى مقهورين ، ولو جعلهم عز وجل في جميع أحوالهم غالبين وقاهرين ، ولم يبتلهم ولم يمتحنهم ، لأتخذهم الناس آلهة من دون الله عز وجل ، ولما عرف فضل صبرهم على البلاء والمحن والاختبار . ولكنه جعل أحوالهم في ذلك كأحوال غيرهم ، ليكونوا في حال المحنة
--> ( 1 ) في نسخة " ف " رسولا . ( 2 ) في البحار ونسخ " أ ، ف ، م " فغرق . ( 3 ) في نسخة " ف " ناقة . ( 4 ، 5 ) ليس في نسخة " ف " . ( 6 ) من البحار ونسخ " أ ، ف ، م " . ( 7 ) في نسخ " أ ، ف ، م " من أمتهم . ( 8 ) في نسخ " أ ، ف ، م " ظاهرين .